العيني
118
عمدة القاري
الزهري عن محمد بدون واسطة عمر . قلت : لم يروِ عن عمر بن محمد بن جبير غير الزهري ، وقد وثقه النسائي ، وفيه رد على من زعم أن شرط البخاري أن لا يروي الحديث الذي يخرجه أقل من اثنين ، عن أقل من اثنني ، فإن هذا الحديث ما رواه عن محمد بن جبير غير ولده ، ثم ما رواه عن عمر غير الزهري ، هذا مع تفرد الزهري بالرواية عن عمر مطلقاً . والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الخمس عن عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم . قوله : ( ومعه الناس ) ، أي : ومع النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( مقفله ) أي : زمان قفوله ، أي : رجوعه ، وهو : بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء . قوله : ( من حنين ) ، هو واد بين مكة والطائف ، وذلك في سنة ثمان . قوله : ( فعلقه الناس ) ، بفتح العين المهملة وتخفيف اللام المكسورة بعدها قاف ، أي : فتعلقوا به ، وفي رواية الكشميهني : فطفقت ، وهو بمعناه . قوله : ( يسألونه ) ، حال . قوله : ( حتى اضطروه ) ، أي : ألجؤه إلى سمرة ، وهي واحدة السمر ، وهي شجر طوال متفرق الرؤوس قليل الظل صغار اورق قصار الشوك جيد الخشب وله نوار أصفر وصمغ أبيض قليل المنفعة ، ويخرج من السمرة شيء يشبه الدم ، يقال : حاضت السمرة ، إذا خرج منها ذلك . قوله : ( العضاه ) ، بكسر العين المهملة وتخفيف الضاد المعجمة وفي آخره هاء : يقرؤ في الوصل والوقف بالهاء ، وهو كل شجر عظيم له شوك ، وواحد العضاه : عضاهة وعضهة وعضة ، حذفوا منها الأصلية كما حذفت في : شفة ، ثم ردت في عضاه كما ردت في شفاه وتصغر على عضيهة وينسب إليها ، فيقال : بعير عضهي للذي يرعاها ، وبعير عضاهي وإبل عضاهية ، وقال ابن التين : ويقرؤ بالهاء وقفاً ووصلاً ، وهو شجر الشوك : كالطلح والعوسج والسدر . وقال الجوهري : هو على ضربين : خالص : كالعرف والطلح والسلم والسيال والسمر والقتاد والغرب ، وغير خالص : كالشوحط والنبع والشريان والسراء والقشم . قوله : ( نعما ) ، بفتح النون والعين وفي رواية أبي ذر : نعم ، بالرفع ، وجه الرفع أنه اسم : كان . وقوله : ( في عدد ) خبره ، ووجه النصب أنه تمييز ، و : كان ، تكون تامة ، والنعم الإبل خاصة . كذا قاله أكثر أهل التفسير . وقال أبو جعفر النحاس : قيل : النعم الإبل والبقر والغنم ، وإن انفردت الإبل يقال لها : نعم ، وإن انفردت البقر والغنم لا يقال لها نعم ، واختلف في الأنعام فقيل : هي جمع : نعم ، فيكون للإبل خاصة وقيل : إذا قلت : أنعام ، دخل تحته البقر والغنم . وقال الجوهري : النعم واحد الأنعام ، وهي المال الراعية ، قال الفراء : هو ذكر لا يؤنث ، يقولون : هذا نعم ، وأراد ، ويجمع على : نعمان ، مثل : حمل وحملان ، والأنعام تذكر وتؤنث ، قال الله تعالى في موضع : مما في بطونه ، وفي موضع : مما في بطونها ، وجمع الجمع أناعيم . قوله : ( ثم لا تجدوني ) ، ويروى : لا تجدونني ، على الأصل فيه أنه لا بأس للرجل الفاضل أن يخبر عن نفسه بما فيه من الخلال الشريفة عندما يخاف سوء ظن أهل الجاهلية . قوله : ( بخيلاً ) ، قال الفراء : البخيل الشحيح ، وقال ابن مسعود : البخيل أن لا يعطي شيئاً . والشحيح أخذه مال أخيه بغير حق . وقال طاووس : البخيل أن يبخل مما في يده ، والشحيح أن يشح بما في أيدي الناس ، يحب أن يكون له ما في أيدي الناس بالحلال والحرام . وقيل : البخل في اللغة دون الشح ، والشح أشد منه ، يقال : بخل يبخل بخلاً وبخلاً ، وقيل : البخل أن يضن الإنسان بماله أن يبذله في المكارم أو اللوازم . قوله : ( ولا كذوباً ) من كذب كذباً وكذباً ، وهو خلاف الصدق ، فهو كاذب وكذاب وكذوب وكيذبان ومكذبان ومكذبانة وكذبة ، مثال : همزة وكذبذب مخففاً ، وقد يشدد . قوله : ( وجباناً ) صفة مشبهة من الجبن ، وهو ضد الشجاعة ، لا يقال : لا يلزم من نفي الكذوبية نفي الكذب ، ولا من نفي البخيلية نفي البخل ، ولا من نفي الجبان نفي نفس الجبن لأنا نقول : قد تجيء هذه الأوزان بمعنى : ذي كذا ، كما في قوله تعالى : * ( وما ربك بظلام للعبيد ) * ( فصلت : 64 ) . والتقدير : وما ربك بذي ظلم ، لأن نفي الظلامية لا ينفي نفس الظلم وكذلك ههنا فيؤل المعنى إلى نفي هذه الأشياء بالكلية ، ثم اقتران الكذب مع الجبان ، مع أن مقتضى المقام نفي البخل فقط هو إشارة إلى أنه يقول : لا أكذب في نفي البخل عني ، لأن نفي البخل عني ليس من خوفي منكم ، وهذا من جوامع الكلم إذ أصول الأخلاق : الحكمة والكرم والشجاعة ، وأشار بعدم الكذب إلى كمال القوة العقلية ، أي : الحكمة وبعدم الجبن إلى كمال القوة الغضبية أي : الشجاعة وبعدم البخل إلى كمال القوة الشهوية أي : الجود ، وهذه الثلاث هي أمهات فواضل الأخلاق ، والأول هو مرتبة الصديقين ، والثاني هو مرتبة الشهداء ، والثالث هو مرتبة الصالحين اللهم اجعلنا منهم .